أحمد بن ابراهيم النقشبندي
237
شرح الحكم الغوثية
111 - همم العارفين علامة على مولاها . همم العارفين لا تتوجّه ولا تتحرك إلّا إليه ، ولا تأخذ ولا تعطي إلّا بما لديه ؛ إذ هم لا يشهدون إلّا هو ، ولا يتحركون ولا يسكنون إلّا له ، فصلاتهم ونسكهم ومحياهم ومماتهم للّه رب العالمين ، لا شريك له ، ومن كان كذلك كانت همته علامة على مولاه ؛ إذ هو قد تحقق بكمال الفناء ، وصار مظهر من مظاهر اللّه ، فلذلك تظهر في همته من حذق العوائد من إحياء الموتى ، وشفاء المرضى ، وهزم الجيوش ، كما قال تعالى مخاطبا لسيّد العارفين : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [ الأنفال : 17 ] ، فجعل الرمي الصادر منه صلى اللّه عليه وسلم في الظاهر الحاصل همته ، منفيا عنه ، منسوبا إليه تعالى ، فأشار تعالى إلى أن الفعل الصادر من همة العارف عين فعله سبحانه ، ولهذا كانت همته علامة على مولاها ؛ إذ لا يصدر مثله هذا الفعل العظيم في العادة إلّا منه تعالى ، والأشياء وإن كانت بالنسبة إلى جميع الخلق صادرة منه تعالى لكن يتميز العارف عنهم بكمال الفناء ، فلا يشهد لنفسه وربه من ذلك ، ولذلك كانت خرق العوائد في الغالب مخصوصة بهم . فاجتهد أيّها الأخ في رفع إليه ، واخضع وانكسر لعله يكون لك تكون . 112 - احرص على ألّا يكون لك شيء تعرف به كل شيء . أي : احرص على أنه تتحقق بالعبودية ، تشرق عليك أوصاف الربوبية ، فينكشف لك بها كل شيء ؛ لأن السالك إذا تحقق بعبوديته ، ولازم الخدمة من الفرائض والنوافل أحبّه ، ومن أحبّه اللّه كان له سمعا وبصرا ولسانا ، كما في الحديث القدسي : « لا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ولسانه الذي ينطق به » . ومن كان الحق سمعه وبصره ولسانه ، سمع كل شيء ، ورأى كل شيء ، ونطق بكل شيء ، وعرف كل شيء ، إذا توجه لشيء من الأشياء ، وأراد الاطلاع عليه . والحاصل أن من أطاع اللّه أطاعه كل شيء ، ومن كان للّه كان اللّه له ، أحبه وأعطاه مقصوده ومطلبه ، وأعطاه المعرفة ، وأزال عنه الجهل ، وكشف له عن حقائق الأشياء ، وغمره بالفضل . فلا تركن أيّها الأخ إلّا إليه ، ولا تعتمد ولا تقول إلّا عليه .